لوسيا ممّي هي أوّل امرأة تونسيّة مهندسة جيولوجيّة وباحثة في اختصاص علم الأحافير وطبقات الأرض تميّزت بفضولها العلمي وشجاعتها النادرة، يعتبرها الكثيرون من الجيولوجيّين التونسيّين والأجانب مكتشفة شغوفة متميّزة، ذات خبرة عالية في التنقيب عن المواقع الجيولوجية وفكّ أسرار طبقات الأرض، وكذلك باحثة متميّزة في علم الأحافير وأمّونيت العصر الطباشيري السفلي في تونس. جالت في كلّ تراب تونس لاكتشاف الظواهر الجيولوجية والحضارات القديمة التي يعود تاريخها إلى العصور الماضية. وبعد استحقاقها تسمية «الرحّالة» من طرف أهل الاختصاص، لم تتردّد لوسيا ممّي لحظة واحدة في معالجة الأسئلة التي تثار حول رسم الخرائط والجغرافيا والبيئات القديمة وحماية التراث الجيولوجي الإجمالي. ورغم أصولها الإيطاليّة، كانت دائمًا فخورة بوطنها تونس منذ ولادتها وأثناء دراستها ومسؤولياتها المختلفة في المصلحة الوطنية للجيولوجيا، بوصفها مهندسة أشغال أوائل سنة 1961 ومهندسة عامّة في الديوان الوطني للمناجم حتّى تقاعدها سنة 1996.
ولدت لوسيا ممّي في 1 فيفري 1936 بالمستشفى الإيطالي بتونس، وتابعت دراستها الابتدائية في المدرسة الابتدائية بسليمان (الوطن القبلي) والثانوية بالمعهد الثانوي بمونفلوري بتونس حيث تحصّلت على شهادة البكالوريا (شعبة الرياضيات الأساسيّة) سنة 1956، تزامنا مع احتفالات تونس باستقلالها (شهادة شفوية لشقيقتها أدريانا ممّي)، وتسلّمت شهادتها من أكاديميّة الجزائر لغياب جامعة تونسيّة في ذلك الوقت (شهادة شفوية للأستاذة فطّومة شيخي عويمر، علم الحفريات، الجزائر). بدأت دراساتها العليا في الجيولوجيا في معهد الدراسات العليا في تونس بنهج روما، الذي ضمّ أول كلية علوم في تونس سنة 1960. تحصّلت على الإجازة في علوم الأرض سنة 1961، وتمّ انتدابها للعمل في المصلحة الوطنية للجيولوجيا التي كان يديرها أحمد عزوز، مهندس الجيولوجيا والهيدروجيولوجيا، مع السماح لها بمواصلة تعليمها العالي في معهد الدراسات العليا في تونس. وتحصّلت على دبلوم الدراسات العليا (DES) في الجيولوجيا، ثمّ دبلوم الدراسات المعمّقة (DEA) لعلوم المحيطات والبيولوجيا البحرية (شهادة شفوية للأستاذة فطومة شيخي عويمر).
واعتمادا على شهادات زملائها الجيولوجيين فإنّ لوسيا ممّي كانت لا تتوانى في القيام بالواجب، وتجمع في حياتها المهنية العديد من الصفات التي لا تتزعزع، كالتصميم الذي مكّنها من القيام بالكثير من الأعمال التي أبرزت مجموعة قيّمة من النتائج البحثيّة في العشريّة -1968) 1977)، ونُشرت في أربعة مجلدات (من عدد 4 إلى 7) لدعم البيبليوغرافيا الجيولوجيّة التونسيّة وملاحظات عن أمّونيت لتحديد تاريخها (شهادة شفوية للأستاذة فطومة شيخي عويمر). وقد أكسبها عملها في الديوان الوطني للمناجم (ONM) سنة 1986 خبرة واسعة في مجال علم طبقات الأرض، وأتاح لها تحقيق نتائج علميّة أفرزت العديد من المنشورات. كما أنّ دراسة أمّونيت العصر الطباشيري السفلي لدعم رسم الخرائط، سمحت لها برسم الحدود الطبقية لنماذج جغرافية قديمة في سلسلة الأحواض الشماليّة والوسطى والتي كانت سببا في تكوين قاع محيط جديد تونسي، ثمّ في كلّ أرجاء تونس. وقد ثُمّنت نتائج هذه الدراسات في إطار الإعداد لشهادة دكتوراه دولة ناقشتها لوسيا ممّي يوم 21 ديسمبر 1989 بجامعة كلود برنارد ليون واحد بفرنسا.
كما كانت لوسيا ممّي مهووسة جدًا بالحفاظ على التراث الجيولوجي الوطني وخطّطت لإنقاذ جبل زغوان وتحديد مخاطر التدهور والتبديد للتراث الطبيعي، كما اقترحت سنة 1991 قائمة المواقع ذات الأهميّة وإمكانيّة تطويرها، وكذلك الوسائل الكفيلة باكتشاف الطبيعة وكنوزها انسجاما مع ما قامت به في خصوص مجموعات الديوان الوطني للمناجم (التعزيز والحماية). ونظرًا لإيلائها الأهميّة الكبرى لطبقات الأرض وأدواتها (علم الحفريات)، فقد نشرت لوسيا ممّي العديد من المنشورات الخاصة بطبقات العصر الطباشيري بالإضافة إلى وثائق أخرى عن أمّونيت واكتشافها فصيلة جديدة (Neohoploceras solignaci , Memmi, 1973) :
وقد كانت لوسيا ممّي متحمّسة جدّا عندما يتعلق الأمر باكتشاف مواقع جيولوجيّة جديدة أو تحديد آثار حفريّات معيّنة أو هياكل عظمية مختلفة. كما لم تمانع في التنقيب في المنطقة المغاربية بأكملها، معتبرة أنّ زياراتها المتتالية للجزائر والمغرب، نابعة من ارتباطها القوي بهذه الدول المجاورة وفي تواصل مستمرّ مع أهل الاختصاص. وبدافع عدم وجود قيود حدوديّة بين الدول الثلاث: تونس والجزائر والمغرب، كانت لوسيا خلال الاجتماعات الجيولوجيّة الثلاثية، مدافعة عنيدة بخصوص مسألة الجيولوجيا المغاربية. كما دعت إلى تعاون مثمر بين الجيولوجيين في الدول الثلاث والمشاركة المستمّرة لكل الخبرات، بهدف الاستفادة من أبحاثها من حيث النتائج العلمية التي تتزايد باستمرار منذ نشرها بين سنتي 1965 و 2014 (9 سنوات بعد تقاعدها)، والتي تقدّر بأكثر من مائة مذكّرة في تناغم تامّ مع قدراتها العلميّة وشجاعتها المعهودة. كما دوّنت العديد من المقالات التي خُصّصت للدفاع عن المواقع الجيولوجية النادرة ذات القيمة المضافة العالية.
تولّت لوسيا ممّي عديد المسؤوليات المهنيّة على مدى خمس وثلاثين سنة، في المصلحة الوطنية للجيولوجيا SGT (1961-1986) والديوان الوطني للمناجم ONM (1989-1996). وشغلت في حياتها المهنيّة الخطط التالية: مهندس أشغال (1961-1966)؛ رئيس الخدمات الجيولوجيّة بالنيابة (1966-1967)؛ مهندس أول (1970-1972)؛ رئيس مصلحة الجيولوجيا العامّة (1972-1976)؛ مهندس رئيس (1976-1986)؛ مساعد مدير البحث والتطوير للفوسفاط (9198-1992) ومهندس عامّ (1992-1996).
كانت لوسيا ممّي ضمن المهندسين والفنّيين الذين قاموا بحملة منذ التسعينيات، لإنشاء متحف الديوان الوطني للمناجم من أجل الحفاظ على الكميّات الكبيرة من بقايا الحفريّات من مدنين والفقاريات من أمّ العرائس. أتاحت هذه المبادرة، بمساعدة السلطات المحليّة سنة 2000، الفرصة لتركيز متحف ذاكرة الأرض في تطاوين لإيواء البقايا الأحفورية الرئيسية وبقايا الديناصورات التي عاشت في الصحراء قبل 150 مليون سنة.
وبصفتها عالمة حفرّيات متقاعدة، تعدّ لوسيا ممّي من الأوائل الذين نادوا إلى تنظيم متحف الخدمة الجيولوجية في تونس ومتحف الديوان الوطني للمناجم .ONM وتُعدّ مجموعات أحافيرها ومعادنها الشخصيّة، من بين العناصر الأولى التي أثّثت رفوف المتحف.
تمّ تكريمها رسميًا، بعد وفاتها، بمناسبة الندوة السادسة للتراث الجيولوجي التي عقدت في 5 جويلية 2017 في مقر الديوان بتونس. وخارج المجال الجيولوجي، شاركت لوسيا ممّي، في تأليف كتاب يتعلّق بالسيرة التحليلية لعلوم الأرض: تونس والمناطق المجاورة منذ انطلاق أبحاثها الجيولوجية سنة 1971 ونَشرهُ المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي CNRS سنة 1972.
تحصّلت لوسيا ممّي سنة 2008 على ميداليّة : «THE GOLGEN JURASSIC AMMONITE AWARD» كضيفة شرف في الندوة الدوليّة الخامسة IGCP 506 التي عقدت من 28 إلى 31 مارس 2008 في الحمّامات (تونس)، وكان موضوعها: «الجوراسي البحري وغير البحري: الارتباط العالمي والأحداث الجيولوجية الكبرى».
توفّيت لوسيا ممّي يوم الأحد 27 ديسمبر 2015، ودفنت بمربع اللائكيّين في مقبرة بورجل في تونس العاصمة، أرض ولادتها، وتعليمها، وثقافتها العلمية والجيولوجية. تركت ذكرى امرأة القناعات الكبرى، القريبة من الناس والمتمسّكة جدًّا بقافلة المتجوّلين التي انضمّت إليهم لتجوب معهم الجبال والصحراء وتشاركهم اكتشاف أسرار طبقات الأرض وأمّونيت العصر الطباشيري السفلي في التُربة التونسيّة، حيث ترقد إلى الأبد.
مختارات من مقالاتها
•MEMMI, L. : Bibliographie géologique de la Tunisie N°4 ( Serv. Géol. Tunisie SGT, 16 pages), 1968.
•MEMMI, L. ; ECCHARI, H : Bibliographie géologique de la Tunisie N°5 ( Serv. Géol. Tunisie SGT, 28 pages), 1968.
•MEMMI, L. : Bibliographie géologique de la Tunisie N°6 ( Serv. Géol. Tunisie SGT, 39 pages), 1971.
•MEMMI, L. : Bibliographie géologique de la Tunisie N°7 ( Serv. Géol. Tunisie SGT, 83 pages), 1977.
•MEMMI, L : Remarques sur les Oosterella (Ammonoidea) du Sillon Tunisien Oriental, Bull. Soc. Géol. Fr., 1970, 7(12), N°1, 146-150.
• MEMMI, L : Biostratigraphie du Crétacé inférieur de la Tunisie Nord-orientale, Bull. Soc. Géol. Fr. 1981, 7(23), N°2, 175-183.
حسن العمري
شارع عبد العزيز آل سعود - نهج الشهيد فرحات ين عافية المنار2 - 2092 - تونس - الجمهورية التونسية