هي أوّل ممرّضة تونسيّة، وقد عملت بالمستشفى الصادقي (عزيزة عثمانة) لمدّة أربعين عاما (بين 1931 و 1971).
الزهرة بنت علي حمديّة وقد كان اسمها مركّبا «فاطمة الزهرة»، حتى أنّها سُجّلت بالمدرسة الفرنكو-عربيّة بقبلّي تحت اسم فاطمة بنت علي حمديّة، وكان عمرها سنة 1911 اثنتي عشرة سنة كما ورد ذلك بسجلّ التلاميذ، وهو ما يعني أنّها ولدت سنة 1899 تقريبا. وحسب شهادة جارتها وصديقتها ورد الكمال بن حمادي، فقد ولدت بتونس العاصمة، ثمّ انتقلت صغيرة إلى قبلي التي تنحدر منها عائلتها. كان والدها علي بن حمديّة يعمل ساعي بريد وكان منزله مجاورا لمقرّ عمله بسوق البياز وهو الحي الأوربي الذي أحدث بعد الاحتلال الفرنسي خارج واحة قبلي.
أما بالنسبة إلى تعليمها، فقد كانت الزهرة بنت علي حمديّة أوّل فتاة مسلمة تدخل المدرسة الابتدائية للذكور بقبلّي في فيفري 1911، وقد تمّ تسجيلها تحت عدد 123. وعن ظروف ذلك تقول هي في شهادتها إنّه «كان لمدير مركز البريد الفرنسي حينذاك بنت صغيرة السنّ تزاول تعلمها بالمدرسة الابتدائية فطلب مدير المركز من والدي أن يرخّص لي لمؤانسة ابنته في الذهاب كلّ مرة إلى المدرسة فلم يتردّد والدي في الموافقة وأجاز لي الدخول إلى المدرسة» : (جريدة الصباح 5 أوت 1973).
غير أنّ ذلك لم يستمرّ إلاّ نحو سنتين، ففي سنة 1913، انقطعت عن التعليم وسافرت إلى فرنسا بعد أن سمح لها والدها بمرافقة الأمير جورج غيكا (Georges Ghica) وزوجته الراقصة والكاتبة الفرنسيّة ليان دي بوجي (Liane de Pougy) اللذين جاءا إلى قبلّي في زيارة سياحيّة، فعاشت البنت فاطمة (أو زهرة) بضع سنوات معهما بباريس. وخلال هذه الفترة يقول الهاشمي بن سوف إنّها «تلقت تعليمها وثقافتها في ديار الأمراء والأدواق بفرنسا» (الصباح، 7 جانفي 1977). وتقول هي في نفس السياق إنّها «كانت تتلقى تعليمها آنذاك على أيدي أساتذة مختصّين» (الصباح، 5 أوت 1973). والواضح أنّ ذلك التعليم لم يكن رسميّا، وإن مكّنها على الأقلّ من إتقان اللغة الفرنسيّة، حتى أنّها كانت تقوم فيما بعد بالترجمة بين المرضى التونسيّين والأطباء الفرنسيّين. ثمّ سنراها في فيفري 1956 تُرسّم بقائمة الكفاءة لخطة ممرض رئيس الممرضين والممرضات من ذوي الشهادات، وكانت التونسية الوحيدة ضمن تلك القائمة.
التحقت زهرة بنت حمديّة بميدان الصحّة العموميّة بعد عودتها من فرنسا، وقد بدأت بالتطوّع في حملات التلقيح التي جرت بمنطقة نفزاوة ثمّ بالجريد، في مجتمع محافظ كان يرفض عرض النساء على الأطباء الرجال، فساهمت هي في إنجاح تلك الحملات وكانت تقوم بتلقيح النساء والأطفال.
وفي سنة 1931، التحقت بالمستشفى الصادقي بتونس العاصمة، حيث كانت تعمل في الإرشاد الاجتماعي فتتصل بالعائلات الفقيرة لتشجيع النساء الحوامل على الولادة بالمستشفى وتشجيعهنّ على ذلك بتوفير لوازم الرضيع مع مدّ الأمّ بمبلغ مالي؛ كما كانت تقوم بدور المترجمة بين المرضى من التونسيين والأطباء الفرنسيين. وقد ارتقت الزهرة بنت حمديّة في مهنتها حتى رسّمت في فيفري 1956، ضمن «قائمة الكفاءة لخطة ممرض رئيس الممرضين والممرضات من ذوي الشهادات».
وفي سبتمبر 1959 كانت المرأة الوحيدة ضمن القائمة الحاملة للأسماء التي تمّت ترقية أصحابها إلى الصنف الثالث من الممرّضين الأُوَل. وفي سنة 1971 أحيلت على التقاعد، وتمّ توسيمها من قبل وزير الصحّة العموميّة آنذاك.
لقد نشطت الزهرة بنت حمديّة في عدد من الجمعيّات الخيريّة والاجتماعيّة، ومن بينها:
- جمعية «قطرات الحليب» (Gouttes de lait) التي تأسّست سنة 1923، بهدف حماية الطفولة المبكّرة، وقد كانت الزهرة بنت حمديّة عنصرا محرّكا لفروعها بنفزاوة حيث ظهر أوّلها بقبلّي سنة 1926 ثم ظهر فرعان آخران بكلّ من بلدتي دوز وجمنة.
- جمعية الهلال الأحمر التونسي، وقد نشطت فيها رفقة بدرة بن مصطفى أول قابلة تونسية، وفي إطار هذه الجمعية كان يتم ختان أطفال العائلات المعوزة.
تزوّجت الزهرة بنت حمديّة مرّتين، كانت أولاهما في العشرينات وكان زوجها بلقاسم بن عبد الله حفيد الكاهية أحمد بن بلقاسم قايد نفزاوة في أواخر القرن التاسع عشر، وأنجبت منه ولدا واحدا، غير أنّهما افترقا بسبب إصرارها على المشاركة في حملة تلقيح بالجريد. أمّا زوجها الثاني فكان من أصل جريدي، وقد عاشت معه بمنزل على ملكها يقع بنهج الباشا بمدينة تونس.
محمد ضيف الله
شارع عبد العزيز آل سعود - نهج الشهيد فرحات ين عافية المنار2 - 2092 - تونس - الجمهورية التونسية